الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

هل أستر زوجي أم أطلب الطلاق وأفضحه؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا متزوجة منذ سنوات، زوجي في الظاهر منضبط من ناحية الصلوات وقراءة القرآن، ومعاملته جيدة. في سنوات زواجنا الأولى اكتشفتُ أن لديه ميولًا جنسية (غير سوية)، وأنه يراسل أشخاصًا، وعند المواجهة حلف على المصحف أنه مجرد كلام ولا يوجد فعل؛ ولأن وقته كان موزعًا بوضوح بين العمل والبيت، فقد أعطيته فرصة وحاولتُ أن أنسى، والآن بعد سنوات اكتشفتُ أنه عاد لما كان عليه، أو أنه لم يتب أصلًا، وعندما نخرج تكون نظراته لبني جنسه مقززة!

أريد الطلاق، لكن بحكم أن لديّ أطفالًا منه، ومنهم طفل مريض تلزمه رعاية مادية، فإن ذلك يصعب عليّ الموضوع، ثانيًا: أطفالي لهم قيمتهم عند أبيهم، وأعرف أنني لو عدتُ بهم إلى أهلي سأتعب.

السؤال: هل إذا عشتُ معه ومنعته من حقوقه الشرعية، وعشنا معًا كإخوة من أجل الأطفال، يكون في ذلك إثم وتلعنني الملائكة؟ وهل إذا تم طلاقي وأخبرتُ عن السبب أعتبر أنني فضحته؟ أي إذا طلقتُ وذكرتُ السبب -لأن الطلاق صعب في مجتمعنا ولا بد أن أفصح عن السبب لأهلي وأهله- فهل أعدُّ ممن فضح مؤمنًا ولم يستره؟

أنا أعيش في دوامة، وأشعر بأن الأمر أكبر من طاقتي، لدرجة أنه أثر على علاقاتي، حتى علاقتي بربي أشعر بأنني أصبحتُ أتكاسل عن صلواتي، حتى عندما يوقظني هو للصلاة أشعر بأنني لا أريد القيام؛ لأن إنسانًا مثله يصلي!

وما يمنعني كذلك من الطلاق هو أبي الذي يقدره ويحترمه؛ إذ أشعر بأن صدمته فيه ستكون كبيرة جدًا، ودائمًا ما أكتم أمري عن والدي حتى لا أقلقه أو أتسبب في مرضه.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكِ -أختنا الكريمة- في إسلام ويب، وردًا على استشارتك أقول، ومن الله أستمد العون:

قرأتُ استشارتك بتمعّن، وشعرتُ بما تعيشينه من ابتلاءٍ ثقيل، وفيه اختلاطُ ألمٍ نفسي، وخوفٍ على الدين، ومسؤوليةٍ أسريةٍ كبيرة، وليس من السهل حملُ كل هذا وحدك، فأسأل الله أن يربط على قلبك، ويجزيك على صبرك خير الجزاء.

سوف أجيبك إجابة واضحة حتى تتضح لكِ الصورة من الناحية الشرعية والنفسية والتربوية، بحيث تستطيعين اتخاذ قرارك بهدوء وبصيرة.

ما تمرّين به ليس مجرد خلافٍ زوجي أو فتور مشاعر، بل هو صدمة أخلاقية ودينية متكررة، واهتزاز للأمان النفسي والزوجي، ونفور قهري لا تملكين دفعه، وضغط نفسي أثّر حتى على علاقتك بربك وصلاتك، وهذا وحده كافٍ من الناحية الشرعية والنفسية لأن يُؤخذ على محمل الجد، ولا يُستهان به، ولا يُقال لكِ: اصبري وحسب.

الأصل الشرعي أن للزوج حق المعاشرة بالمعروف، ولا يجوز للزوجة أن تمنعه دون سبب شرعي معتبر، ولكن من خلال استشارتك لم يتبين أن زوجك يمارس الجنس مع أبناء جنسه أو يمارسه معهم، فغاية ما ذكرتِ أن نظراته مقززة، وبما أن زوجك فيه صلاح ومقيم الصلاة، يمكن أن تُعالجي ذلك برفقٍ ولين من خلال تذكيره بالله تعالى، وأنه محاسب على نظراته، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾، ويقول عليه الصلاة والسلام: «يا علي، لا تتبع النظرة النظرة، فإن الأولى لك، والثانية عليك».

تعاهديه بالنصح بين الحين والآخر دون إكثار؛ فإن الإكثار يدعو للنفرة وعدم الإصغاء، وزوجك فيه صلاح، ولا شك أن قلبه سيرق ويقبل النصح.

أعينيه على ما يقوّي إيمانه من صلاة وصيام وتلاوة للقرآن الكريم وغير ذلك من الأعمال الصالحة؛ فقوة الإيمان تورث مراقبة الله تعالى.

إنني أقدّر ما تعيشينه من النفور للسبب الذي ذكرتِه، وهو سبب معتبر شرعًا؛ لأن النفور هنا ليس هوى عابرًا، بل نفور ناتج عن أذى نفسي وخلل أخلاقي ترينه في شريك حياتك.

وبما أنكِ لستِ متيقنة من أن زوجك يمارس الفعل المحرم، بل قد ذكرتِ في استشارتك أنه حلف أنه مجرد كلام وليس فعلًا، وقلتِ إن وقته كان موزعًا بوضوح بين العمل والبيت، وإن كانت نظراته للذكور مريبة، فالأصل أنكِ تصدقينه؛ لأنه ليس لديكِ دليل قاطع أنه يمارس الفعل المحرم، والأصل أنكِ لا تمنعينه من حقه الشرعي، فيكون ذلك سببًا في انحرافه ووقوعه في الفعل المحرم الذي أنتِ تشكين فيه شكًّا، فتكونين سببًا وتأثمين عند الله تعالى.

يمكن أن تمتنعِي عنه كزجرٍ له عن الاستمرار في النظرات المريبة، إن رأيتِ أن ذلك يزجره ويردعه، أما إن كان امتناعك لا يجدي نفعًا فلا داعي له.

يمكن كذلك منعه من الأشياء التي هو يحبها ويتعلق بها، بشرط أن تعرفي أن ذلك قد يكون من العلاجات التي تجعله يستقيم ويغض بصره.

أنصحك أن تجلسي معه جلسة مصارحة، وتتحدثي معه بوضوح وبرفقٍ ولين، وتبيني له ما يزعجك ويجرح مشاعرك؛ فالمصارحة أحيانًا تكون من جملة العلاجات النافعة.

تضرّعي بالدعاء بين يدي الله تعالى، مع تحيّن أوقات الإجابة كالثلث الأخير من الليل وأثناء السجود، وسلي ربك أن يصلح زوجك، وأن يبصره بعيوبه، وأن يرزقه الاستقامة والعفاف.

احذري أن تهملي نفسك، فتتركي التجمّل له، بل اجتهدي في إشباع عاطفته وشهوته؛ فذلك أدعى لغض بصره واستقامته.

لا تفكري في الطلاق، ولا تجعلي هذه الفكرة تسيطر على عقلك، فالأمر لا يستدعي في هذه المرحلة التفكير بالطلاق ما دام يمكن إصلاح زوجك، وفكري مليًّا بأبنائك؛ فإنهم سيكونون الضحية الكبرى.

وبما أنه متعلّق بأبنائه، فيمكن أن تقولي له: إن لم تترك هذا الأمر فقد أفكر بالطلاق منك وترك أبنائك والرجوع إلى أهلي؛ فقد يكون ذلك زاجرًا له.

من فضل الله أن زوجك محافظ على الصلاة، حتى إنه ليعينك على الطاعة فيوقظك للصلاة، والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولو بعد حين، فلا تتعجلي، فالعجلة من الشيطان، والتأني من الله.

شعورك بالنفور من الصلاة بسبب زوجك يعد من الآثار النفسية، وذلك حين يقترن التدين في ذهن الإنسان بنفاق أو معاصٍ، فينشأ نفور لا شعوري من الرموز الدينية.

يجب أن تفرقي بين طاعتك لربك وحنقك مما يفعله زوجك، ولا تجعلي أفعاله تؤثر على طاعتك وقربك من ربك، وتجعلك متكاسلة، بل اجعلي ذلك سببًا في شدة القرب من الله، والإكثار من الطاعات والدعوات؛ فلعل الله يستجيب لكِ فيصلح زوجك، ويقر عينيك بصلاحه، واعلمي أن عاصيًا يصلي خيرٌ من عاصٍ قاطعٍ للصلاة.

لا داعي لفضح زوجك ما دام لم تتعدَّ معصيته القولَ والنظر، وإن كان ذلك من المعاصي، فالمؤمن عفُّ اللسان غاضٌّ لبصره، بل حتى لو تجاوز إلى الفعل، وكان بالإمكان ستره وإصلاحه، فالستر هو الواجب، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: «من ستر مسلمًا ستره الله».

بإمكانك أن تقولي لزوجك: أنا لم أعد أشعر بالأمان النفسي، كونه ظهرت منك أمور أخلاقية لا أستطيع التعايش معها، فإما أن تصلح حالك وتتركها، أو لا تلمني إن رأيتَ مني تصرفات تغضبك أو تقصيرًا في حقوقك، فأنت السبب في ذلك، فمثل هذه الكلمات من المؤكد أنها ستؤثر فيه.

لا داعي لإخبار والدك؛ فذلك قد يزيد الأمر سوءًا، وقد يؤثر على صحة والدك، ويفقد محبته وثقته بزوجك، فالأمر لحد الآن لا يستدعي أن تخبري أحدًا، كما سبق.

أكثري من الاستغفار والصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقد قال عليه الصلاة والسلام: «مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ، جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ»، وقال لمن قال له: أجعل لك صلاتي كلها؟ قال: «إذًا تُكْفَى هَمَّكَ، وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ».

أكثري من الطاعات المتنوعة؛ فذلك من أسباب جلب الحياة الطيبة، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.

أسأل الله تعالى أن يصلح زوجك، وأن يقر عينيك بصلاحه، وأن يجعل لكِ من كل همٍّ فرجًا، ومن كل ضيقٍ مخرجًا، إنه سميع مجيب.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً